الطفل و الإبداع ـ الحصاد نيوز

اليوم : الثلاثاء 10 ديسمبر 2019
رئيس مجلس الادارة : ايمان عاطف
رئيس التحرير: اندرو رزق

الطفل و الإبداع ـ الحصاد نيوز
عدد المشاهدات : 95
2019-12-09 16:00:13

الطفل و الإبداع ـ الحصاد نيوز
ملكة محمد اكجيل

الإبداع هو مزيج من الخيال العلمي المرن، لتطوير فكرة قديمة، أو لإبتكار أخرى جديدة، مهما كانت الفكرة صغيرة، ينتج عنها إنتاج فكري جديد يمكن تطبيقه واستعماله، أو يأخذ سمة نظرية جديدة لتحليل واقع أو حالة ما تكون أثارت إنتباه المبدع المهتم .
وعادة ما يكون الطفل مبدعا في محيطه سواء بكلماته التي تفوق سنه و تجربته أو برسومات تعبر عن ملاحظاته حتى وان كانت تتصف بالعفوية و مظاهر الشعور الطفولي البريء ؛ فهو ذو خيال واسع لديه حب الإستطلاع، والرغبة في فحص الأشياء وربطها مع بعض لفهمها وطرح الأسئلة بإستمرار، وإستعمال كل حواسه في استكشاف العالم المحيط به ؛ فيصنع وسيلة خاصة به للتواصل مع هذا المحيط الذي يشكل مادته الخام للأفكاره و تمثلاته ومجال تكوين شخصيته المستقبلية .

تعتبر السنوات المبكرة من حياة الطفل هي الأكثر حرجاً، ففيها تبدأ عملية تشكيل المراحل الأساسية للجهاز النفسي، وتتضح عناصر التفكير وتكتسب الشخصية قوامها وانسجامها أو ضعفها و إنعزالها .
وتلعب الأسرة والمدرسة والمجتمع دوراً كبيرا في تشكيل شخصيته وتفكيره.
و يظهر التفكير الابداعي لدى الطفل عن طريق التعرف على ما يمتلك من قدرات إستعابية وتشخيصية لما تلتقطه حواسه الإدراكية التي هي عبارة عن إسفنحة تمتص كل يمر أمام حاسة البصر و السمع هاتان الحساتان اللتان تتسمان بطاقة كبيرة في الطفولة .
تأتي ردود الفعل عند الطفل عبر تعبير قراءاتي للمحيط يتم توظيفه في روسومات أو حوارات و حتى عبارات تتسم بصدق بالغ و عفوية لايمتلكها الكبار لأنه ببساطة ليس للطفل أي خلفية أو هدف نفعي و لاأيديولوجيا مجتمعية تتحكم في ردة فعله الإبداعية .
ويصبح هذا الإبداع المبكر عند الطفل أساس و إرهاصات لمستقبله في أعمال وأفكار ابداعية تتطور مع دعم أسري و من المؤسسات من خلال ألانشطة التربوية .

الإشكالية المطروحة كيف يتقبل الكبار ابداع الأطفال ؟

تلعب العوامل البيئية دوراً أهم بكثير من عامل الوراثة في تكوين الطفل المبدع.. فليس المطلوب أن يكون الطفل عبقرياً بالوراثة الجينية حتى يكون مبدعاً..
و الإبداع ليس موهبة محصورة في نخبة من الناس تتوارثها عبر الأجيال دون غيرها ، بل هي موجودة بصورة كامنة عند كل الأفراد منذ الطفولة مادام الفرد يمتلك حواس و عقل ينتج عنه ادراك و وعي بالأشياء تحتاج فغط تغدية عبر دعمها و تقويمها في الإتجاه الصحيح ، لذلك وجب علينا التأثير في أطفالنا بالإستماع إليهم و إسداء النصح و ليس الأوامر و تشجيع مواهبهم الإبداعية . فبهذا نستطيع أن نصل بهم إلى مستوى إبداعي مناسب عبر تنمية مواهبهم الحسية و العقلية .
فالطفل الذي يغزو بقارب يافع عالم الكبار بالمحاكاة ليس مريضا نفسيا و لا شاذا بل هو يتسم بالشجاعة و بطولة الإحساس بمحيطه و يجعل من مشاهد الحياة اليومية مجالا لبناء شخصيته و فهم محيطه و رد فعله سواء كان هذا الرد الفعلي نقدا أو مدحا فالإجابي أنه ليس سلبيا و لا فقط متلقي في وسطه الإجتماعي بل هو يكون شخصية تتفاعل مع مسرح حياته اليومية .

فالمعلوم في التربية التقليدية لدى المجتمعات العربية أن الطفل الحسن السلوك هو الذي لايجادل في مواضيع "تخص الكبار" حسب التصنيف الإجتماعي الموروث و هو الطفل الذي يتلقى بدون ردة فعل سواء كانت استحسان أو رفض بمعنى اصح لايتدخل فيما لايعنيه كأن الحدث الإجتماعي هو خارج نطاقه و لايؤثر عليه أو أنه زائر لهذا الكوكب فنسمع أن هذا الطفل لايتكلم اذن هو حسن التربية.

للأسف هذا خنوع متوارث يأسس لخنوع إجتماعي أخر في سن الرشد هو عدم المشاركة الإجتماعية و لقبول أي شيء دون تحليل ولا تفكير يضع استراتجية عقلانية لنتيجة مستقبلية قد تكون غير محمودة غالبا فنحن مثلا نشتكي من عدم المشاركة السياسية للشباب كيف سيكون ذلك و لسنوات نرهبهم من السياسة كأنها الوحش الذي يبلع الفرد.
لانشجع القراءة لدى الطفل و نعاتب الشباب من تردي أوضاعه الثقافية .

نخاف من الطفل الشجاع و المبدع و نعتبره ظاهرة شاذة أو عديم التربية. فالطفل الذي يتقمص شخصية الكبار في أدوار مسرحية طفولية يمكنه ان يتعرف على الواقع المعاش المحيط به و يؤسس بإدراكه البرعم لرؤية نقدية في كبره لمعرفة ماهية المجتمع بتناقضاته و سلبياته و إيجابياته و التفاعل معه بما يصحح مساره يعتبر طفلا مبدعا .
والطفل الذي يرسم عائلة منفلصة ليس معقدا بل هو يعبر عن إحساسه الرافض للشثات الأسري الذي هو أكبر ضحاياه.
و الطفل الذي يحاور لعبه ليس بمجنون بل يخلق حوارا يجب على الكبار الإنتباه له لأنه يحمل شعوره و ماتختزنه أحاسيسه هو طفل مبدع .

هؤلاء الأطفال مبدعون بطريقتهم مهما كانت طفولية فيجب علينا ان نعي بأنهم اولا اطفال و ثانيا لهم حق التعبير بالشكل الذي يتقنونه كما يجب أن ندعم وسائلهم التعبيرية و حسهم النقدي و التفاعلي المبكر .
للأسف كلمة "أسكت" و جملة " أنت صغير لاتفهم شيء " تقمع مبدعين صغار نحن بحاجة إليهم في كبرهم تقتل بذرة الإبداع و الإنتاج الفكري و الحس النقدي عند الفرد في المجتمع .

نحن مجتمعات تستحسن كلمات "حاضر" "و تحت أمرك " على أساس أنها ردود تظهر التربية الحسنة بدون أن نهتم لما يخفيه الطفل من ثورة داخلية تنعكس دائما سلبا على الأسرة ثم المجتمع .
نحن مجتمعات تخيفها المواجهة مع إبداعات أطفالها لما تحتويه من نقد صريح حتى وإن كان يفتقد للنضج لأننا نخشى أن نفقد زمام الأمور بتربيتنا الدكتاتورية .
نحن مجتمعات تتقن لغة السوط و القمع و الترهيب حتى مع أطفالنا لأن إبداعتهم تخيفنا ألاشعوريا ؛ نخاف أن نفقد السيطرة على عقول و مشاعر أطفالنا ؛ كل واحد منا يسقط مايعانيه على الحلقة الأصغر منه فتتحمل الطفولة العربية وابل الخنوع الإدراكي و الإجتماعي الذي يعيش فيه من يطلقون عن أنفسهم راشدون و يملكون حق الوصاية على الطفل المبدع .


موضوعات ذات صلة
تعليقات القراء من خلال فيس بوك