سارة السهيل : أزمتنا أخلاقية بالأساس .. والأبناء ضحايا تغرير الفضاء الإعلامي والفكر الإرهابي

اليوم : الأحد 09 ديسمبر 2018
رئيس مجلس الادارة : ايمان عاطف
رئيس التحرير: اندرو رزق

سارة السهيل : أزمتنا أخلاقية بالأساس .. والأبناء ضحايا تغرير الفضاء الإعلامي والفكر الإرهابي
عدد المشاهدات : 41
2018-12-08 10:19:01

كتب وليد شفيق
****استضاف "ملتقي اربد الثقافي وملتقي المرأة " بالأردن في السادس من الشهر الجاري، الكاتبة سارة السهيل للحديث عن " واقع الاسرة في ظل مظاهر التطرف والاعلام والمفتوح"، في جلسة ثقافية وفكرية شيقة أدارها الدكتور حسين منصور العمري.
حضر اللقاء كوكبة من رموز الفكر والثقافة وكبار الاكاديميين الجامعيين الأردنيين والعرب من بينهم المفكر هشام التل، ود. عبد المجيد جردات و أعضاء جمعيةنشميات اربد وغيرهم
واستهل مدير اللقاء الدكتور حسين منصور العمري تقديمه بمقولة ثقافة راسخة قديما " ان مصر تكتب، ولبنان تطبع، والعراق يقرأ " وقال ان ثالثة الاثافي هذه تنطبق علي سارة السهيل فهي عراقية أردنية و هواها مصري
وقدم " العمري " لاشكالية تربية الأبناء في ظل تحديات جسام تحيطها معطيات تطرف فكري من ناحية، وسطوة اعلام فضائي وكوني من ناحية أخري الامر الذي اثر سلبا علي شبابنا وعلي مجتمعاتنا العربية.
وقالت سارة السهيل ان قضية " بناء الاسرة بعيدا عن التطرف في ظل اعلام مفتوح "، يعد موضوع الساعة خاصة وان خطورته تلقي بظلال قاسية علي واقعنا الاجتماعي والفكري العربي، محذرة من ان لم نسرع في مجابهة هذا التطرف فان المستقبل قد يضيع من بين أيدينا.
وطرحت السهيل عدة إشكاليات لكي نتحاور بشأنها ومن بينها كيف يمكننا نشر الوعي أولا لدي الاسر بخطورة انتشار فكر التطرف؟ وكيف نحمي النشء من الانحراف الفكري عبر الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي علي الانترنت؟ وما هي الوسائل التي تسهم في منع استغلال الجماعات الإرهابية للأطفال فى تنفيذ ارهابها وفكرها المتطرف؟ وأخيرا كيف نبني الاسرة وفق أسس من السلامة الاجتماعية والحضارية والدينية بمعزل عن التطرف ووسط تحديات فضاء الاعلام المفتوح؟

أزمة اخلاق
نكأت " السهيل " جرح الواقع العربي المؤلم بترك الكثير من الاسر العربية أبنائها الصغار نهبا لفضاء الاعلام المفتوح بكل ما فيه من غث وسمين دون وجود رقابة او وعي بمخاطر ترك الحرية علي مصراعيها للصغار كي يتلقوا عن الاخرين سواء الفضائيات او مواقع التواصل الاجتماعي، في الوقت الذي ظهرت فيه أيضا العديد من القنوات الدينية المتشددة التي بثت أفكار التطرف المغلوط وقدمت الدين من منظورها الأحادي النظرة كدين متسلط فوق رقاب البشر بالقهر والنار والتعذيب دون اظهار القيم الأساسية للدين من رحمة وتسامح وغفران واخلاق قبل كل شيء، وهذا ما أكده رسول الله صلي الله عليه وسلم بقوله " انما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق" وكذلك حديثه "ص" أقربكم مني مجلسا يوما القيامة احسنكم أخلاقا ".
وأكدت " السهيل" علي حقيقة كونية مفادها ان الأمم تبني وتزهر وتنهض بالإخلاص وليس بالمفاهيم المغلقة والفهم الضيق للأديان، بل ان الأديان السماوية وغير السماوية تركز علي استخدام القيم الدينية في تربية قيم الاخلاق في نفوس البشر، ولذلك قال الشاعر "انما الأمم الاخلاق ما بقيت فان هم ذهبت اخلاقهم ذهبوا".
هذه الحقائق تؤكد ان أزمتنا في العالم العربي هي ازمة أخلاقية بالأساس، واننا هجرنا قيمنا الأخلاقية المستوحاة من الأديان السماوية من العدل والمساواة والرحمة والغفران والتسامح والإحسان حتي لمن أساء الينا والتعاون معا في اعمال الخير والبر وبناء المجتمع، واعلاء قيم العلم والعمل بروح الجماعة وليس بروح الفرد، ووسطية الفكر واللين في التعامل وغيرها من القيم، وتمسكنا بقيم جاهلية تارة من العصبية القبلية والمذهبية المقيتة والاخذ العشوائي عن الاخر بقيم قد لا تناسب حضارتنا المتسامحة والراقية أخذا بلا عقل ولا انتقاء، ومن ثم صرنا مسخا بلا هوية ثقافية حقيقية.
وتساءلت " السهيل " كيف نربي الصغار اذن ونحن نعاني من هذا المسخ القيمي والثقافي؟ وقالت: انها مهمة شاقة تحتاج منا جميعا في كل المجتمعات العربية من مسلمين ومسيحين ان نفيق أولا علي هذا الواقع، ومن ثم استيعاب مخاطره والحفرة الخطيرة التي انزلقنا فيها حضاريا وجعلتنا في ذيل الأمم، ثم بحث خطوات الإنقاذ العملية لمجتمعاتنا من السرطانات الفكرية التي غزت عقولنا وشوهت جوارحنا في فضاء كوني واسع وخطير.
وأوضحت " السهيل " ان الأبناء قد شبوا علي هذه المفاهيم التي تواكبت معها ـ دون وعي او رقابة اسرية ـ ظهور الجماعات الإرهابية التي قدمت أنموذج للقوة ولاستخدام السلاح وانتشرت الفيديوهات للقتلة الإرهابيين وهم يغتالون الأبرياء ـ للأسف الشديد باسم الله اكبر.
وهنا انقسم الشباب الناشئ بين لفظ ورفض الدين بمفهومه الإرهابي الظاهر لأعينهم والقائم على القوة الغاشمة والقاتلة كما في فيديوهات داعش بل وبعضهم للأسف قد ألحد، والبعض الاخر اعتنق فكر التكفير والتطرف، والبعض الثالث انزوي بعيدا باحثا عن التسلية والترفيه عبر وسائط الاليكترونية يشغل به وقت فراغه دون العمل علي تنمية مهاراته الحياتية والعملية والفكرية.

خطورة الاعلام
وحذرت " السهيل " من خطورة مضامين الفضائيات وعصر السماوات المفتوحة كواقع لا يمكن تجاهله، أو مقاومته بالمنع أو التشويش، وهي مضامين تحمل قيم وعادات وسلوكيات غريبة على المجتمع العربي وخاصة بالنسبة إلى الشباب والفتيات، الأمر الذي يحدث معه تغيير جوهري في السلوك يصيب الأسرة خاصة في سنواتها الأولى بالخلل الاجتماعي ويهدد بتفككها.
وشددت " السهيل " علي حاجتنا الماسة الي خلق حائط صد قيمي واخلاقي قبل كل شيء، في نفوس الأجيال العربية والمسلمة في مواجهة واقع فضائي لا يمكن السيطرة عليه أو ضبط ايقاعه.
ولفتت " سارة السهيل " الي ان الفضائيات عززت قيم الاستقلال والتحرر الاجتماعي بشكل سلبي وأدت الي زيادة نسب الطلاق داخل الاسر العربية، بل انها كما تؤكد علي العديد من الدراسات الاجتماعية والإعلامية أدت الي حدوث مشكلات فكرية تسببت في خلط المفاهيم الدينية والأخلاقية وهو ما اثر سلوك الافراد والمجتمعات علي حد سواء.
كشفت " السهيل " عما رصدته الدراسات الاجتماعية من ان الفضائيات والمواقع التواصل الاجتماعية بما تحتويه من عناصر جذب واثارة قد تسببت في تكريس الانانية، حبِّ الذَّات، وضعف الرُّوح الجماعيَّة، وضعف القيام بحقوق الوالدَين، وقطع الأرحام، حيث انشغل افراد الاسرة اما بهاتفه المحمول او مشاهدة الفضائيات علي حساب التفاهم الاسري والحوار بين افراد البيت الواحد.
بينما انخرط الصغار في مشاهدة ابطال الخوارق والسحر والتعرض لمفاهيم القوة الخارقة بوسائل جذب جعلتهم عرضة لأمراض التوحد والانعزالية من ناحية، وعرضة للبحث عن القوة والقتل كشيء عادي عبر صراع ابطال الكرتون.
ورصدت " السهيل " حقيقة تغذي الطفل العربي علي مشاعر العنف والقوة والقتل التي يشاهدها في أفلام الكارتون وفي نشرة اخبار ترصد جرائم عنف الدواعش والجماعات الإرهابية خلال متابعتهم للتلفاز مع ذويهم.
كما رصدت " السهيل " حقيقة انتقال مشاهد العنف من الشاشة الفضية ومن شاشة المحمول الي المدرسة فصار سلوك الصغار كثير ميلا للعنف والعدوانية.
ودعت " السهيل " أولياء الأمور التوقف فورا عن مشاهدة الصغار لأفلام العنف او نشرات الاخبار التي تحتوي علي فقرات من القتل، وان يبدأ الإباء والامهات فورا في ممارسة دور الرقيب علي الصغار وتحديد ساعة فقط يوميا لمشاهدة التلفاز لتقليل مخاطر الانحراف السلوكي في فترة المراهقة.
وأوضحت " السهيل " ان الدول الغربية تشكو من ضياع براءة صغار بسبب الفضائيات، وهذا باعتراف أساتذة واجتماعيِّين غربيِّين فيقول "جيفري جونسون" من جامعة كولومبيا ومعهد نيويورك للطِّبِّ النَّفسي: " إنَّه يتوجَّب على أولياء الأمور أن يَتجنَّبوا السَّماح لأطفالهم بمشاهدة التِّلفاز لأكثرَ من ساعة يوميًّا على الأقلِّ في فترة المراهقة المبكرة".
وأكَّدت دراسته العمليَّة التي أجراها في شمال نيويورك وجودَ عَلاقة مباشرة بين ساعات مشاهدة برامج التلفاز العنيفة، والسُّلوك العدواني في المرحلة اللاَّحقة، بمقدار خمسةِ أضعاف للذين يُشاهدون برامجَ تلفاز عنيفة، لفترة تَتراوح بين أقلَّ من ساعة، وثلاث ساعات أو أكثر.
وكشفتِ الدِّراسة أنَّ مِن بين الشَّباب الذين شاهدوا تلك البرامجَ التِّلفازيَّة، لأقلَّ من ساعة يوميًّا في سِنِّ الرابعةَ عشرةَ - تَورَّط 5.7 % منهم في أعمال عدائيَّة ضِمن الفئة العمريَّة بين 16 و 22 عامًا، بينما من شاهدوا لمدةٍ تتراوح بين ساعة وثلاث ساعات يوميًّا، ارتفع لديهم السُّلوك العُدواني إلى 22.5%، وبلغ المعدل 28.8% لِمَن شاهدوا برامجَ العنف أكثرَ من ثلاث ساعات يوميًّا.

ضحايا الارهاب
وأكدت " السهيل " ان أطفالنا العرب فلذات أكبادنا دفعوا من ارواحهم الطاهرة البريئة ثمنا غاليا لأصحاب اجندات الإسلام السياسي الذي شوه صورة الإسلام بالعنف واستباح دماء الأبرياء وخرب البلدان وأتي علي الأخضر واليابس باسم الدين ليقيم دولته الإرهابية.
فقد استغل شياطين الإسلام السياسي المتطرف من داعش والقاعدة وغيرهما التربة اللينة الطاهرة لصغارنا وشبابنا لبث أفكارهم المتطرفة، بل تم وضع الأطفال أنفسهم فى خدمة لأهدافهم الاجرامية.
واستندت " السهيل " الي عدة تقارير صادرة عن المنظمات الدولية تشير إلى وجود الآلاف من الضحايا الأطفال الذين يتم استخدامهم فى النزاعات المسلحة فى مناطق التوتر حول العالم، من أبرزها معسكرات «أشبال العز» ، و»أشبال الزرقاوي»، و«لواء طيور الجنة»، وهى الألقاب التى أطلقها تنظيم «داعش» الإرهابى على معسكرات التدريب والقتال الخاصة بالأطفال الذين يتم تجنيدهم كعناصر انتحارية فى سوريا والعراق.

دور الاسرة
ودعت " السهيل " المؤسسة الاسرية بحماية صغارها من التغرير بهم عبر الفضائيات او مواقع التواصل الاجتماعي، عبر غرس قيم الفضيلة والتسامح والتأخي في نفوس الصغار خلال عمليات التربية اليومية من توجيه وارشادات وتقويم سلوكي.
كما دعت " السهيل " الاسرة الي ان تصحب صغارها الي المساجد والكنائس لكي يتعرفوا علي قيم اديانهم المتسامحة وما فيها من تعاليم تحث التراحم والحب بين الناس، من ثم التحذير من دعاة الفتن والتشدد الديني.
وطالبت " السهيل " بضرورة ملأ فراغ الصغار بالأنشطة الرياضية والثقافية والفنية بما يسهم في اخراجهم من دائرة العنف المجتمعي الحالي ويجعلهم اكثر سواء اجتماعيا ونفسيا ومن سلوكيا.

و إشباع الاحتياجات
وأكدت " السهيل " علي أهمية ان تحقق التربية الاسرية اشباعا للابناء علي كافة الأصعدة الصحية والنفسية والاجتماعية والثقافية، لان النقص في أحد هذه الاحتياجات يشعر الانسان بالنقص، والشعور بالنقص والحرمان يقود الي الاضطراب النفسي والسلوكي وفقا لنظرية الحاجات.
وفي هذا الاطار، فقد أرجعت الكثير من الدراسات انضمام الشباب إلى الجماعات الإرهابية لأسباب نفسية منها عدم إشباع الحاجات الضرورية أو النمو المضطرب للذات أو بسبب الحرمان من الوالدين وخاصة الأم بل أن 78% من أسباب ظهور الجماعات الإرهابية هو بديل لما يعانيه الفرد من الحرمان النفسي.
وهنا أيضا تبرز الحاجة خلال تربية الصغار غرس قيم الانتماء والولاء للوالدين وللاسرة ومن ثم الي المجتمع حتي يتحقق لديهم النمو النفسي والاجتماعي السليم، وهذا الغرس بالانتماء لن يتحقق بمعزل عن اغداق الصغار بالحب وتوجيههم باللين والرفق، وعدم اللجوء الي التوبيخ في تربيتهم حتي لا ينفصل الأبناء نفسيا عن ذويهم ويتحولون الي الاجرام او الانخراط في جماعات إرهابية وما شابه.

غذاء الارواح
ولفتت " الكاتبة السهيل" الي أهمية تغذية أرواح وقلوب الأبناء بمعاني الحب والرحمة وتنمية مشاعر الصفا الروحي والوجداني من خلال اغداقهم بالحنان والتحنان وحثهم علي تبادل الحب والرحمة فيما بينهم، وتدريبهم علي حب الله وعبادته وفق تعاليم الدين الوسطية السمحة.
ولعل غرس أسلوب الحوار الهادئ والتفاعل مع الأبناء والرفق في التعامل معهم اخذ بمنهج الرسول صل الله عليه وسلم في جميع شؤون حياته مصدقا لحديثه الشريف: ما كان الرفق في شيء إلا زانه ولا كان العنف في شيء إلا شانه.و ذكرت انه هناك اكثر من مئة أية تدعو للتسامح و التراحم

ودقت " السهيل " ناقوس الخطر بغياب الرقابة الاسرية وقصور الرعاية المادية والروحية لكي ينتبه البيت العربي لمخاطر تعرض الأبناء المستمر لفضاءات الاعلام المفتوح، خلال مراحل التربية والتنشئة الاولي، ومن ثم اتخاذ الحيطة والحذر والبدء الفوري في اصلاح اخطائنا وحماية الصغار من أفكار التكفيريين والمتطرفين ولحماية المجتمع كله من تهديدات التطرف الفكري.
وتطرقت مناقشات الندوة الي ازمة العنف المستشري في مجتمعاتنا العربية نتيجة ان المسئولين بدءا من المسئول عن الاسرة او في المدرسة او الجامعة وغيرها يتخذ أسلوب عنفا طريقا وحيدا في التوجيه والتعامل مع الناشئة والشباب، فيبادلهم الشباب بعنف موازي، في حين ان المجتمعات الغربية تجذب اليها الناشئة بأسلوب الحوار والاقناع الهادئ، وهذه القيم كلها موجود عندنا في ثقافتنا الإسلامية التي هجرناها ولكن الغرب اخذ بها وطبقها وحقق بها نهضته الفكرية والعلمية واستقراره الاجتماعي.
كما تطرقت المناقشات الي ازمة المجتمعات العربية من تدني الاخلاق نتيجة عدم اهتمام المسئولين او عدم وعيهم بأهمية توفير مادة في التربية الأخلاقية يتم تدريسها في المدارس والجامعات، بجانب عدم وجود كوادر عليا مؤهلة لكي تتولي تدريب كوادر جديدة تكون مسئولة عن نشر ثقافة الاخلاق في مجتمعاتنا.
ورصدت مناقشات الحضور أيضا غياب كامل لدور الاعلام العربي في نشر الثقافة بين المجتمع وفي أوساط الناشئة والشباب.

 


موضوعات ذات صلة
تعليقات القراء من خلال فيس بوك